المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا (HCST)
الدكتور احمد العقيلي يكتب لـ ” رقمنة” :ادارة البيانات الحكومية في عصر الاقتصاد الرقمي: من تجارب إقليمية وعالمية إلى نموذج وطني

أصبحت إدارة البيانات الحكومية اليوم إحدى المرتكزات الاستراتيجية في بناء الدول الحديثة، ولم تعد مسألة تقنية أو مشروعاً تشغيلياً محدود الأثر. فالتجارب العالمية تؤكد أن السيادة على البيانات تمثل شرطاً أساسياً لتعزيز جودة القرار العام، ودعم التحول الرقمي، وتمكين الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، ضمن أطر واضحة للأمن والحوكمة والاستدامة.
على المستوى الدولي، اتجهت دول متقدمة إلى الاستثمار في بنى تحتية رقمية سيادية تضمن التحكم في البيانات دون عزلها. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة GAIA-X لتعزيز سيادة البيانات ضمن بيئة تشاركية موثوقة، فيما اعتمدت الولايات المتحدة نموذج السيادة التنظيمية الذي يوازن بين حماية الخصوصية واستمرار تدفق البيانات الداعم للاقتصاد الرقمي والابتكار. كما برزت تجارب سنغافورة وفرنسا في بناء بني وطنية تضمن السيطرة على البيانات الحساسة مع الحفاظ على كفاءة التشغيل.
إقليمياً، تمثل تجربة المملكة العربية السعودية مثالاً متقدماً في هذا المسار، من خلال مشروع مركز بيانات «هيكساجون» التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. فالمشروع لا يُختزل في كونه منشأة لتخزين البيانات، بل يعكس انتقالاً نوعياً نحو مفهوم مراكز البيانات فائقة النطاق التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي. وتبلغ الطاقة التشغيلية القصوى للمركز نحو 480 ميجاواط، وهو حجم يتجاوز الاحتياجات الحكومية التقليدية، ويوفر مرونة استراتيجية لاستيعاب توسعات مستقبلية، وتشغيل منصات حوسبة عالية الأداء، ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوطنية.
وفي السياق الوطني، يؤكد الأردن أنه ماضٍ في الاتجاه نفسه، من خلال مشروع مركز البيانات الحكومي الموحد، الذي يهدف إلى إنشاء بنية تحتية وطنية عالية الاعتمادية لتجميع وتشغيل البيانات الحكومية، وتعزيز استمرارية الأعمال، وتحسين كفاءة إدارة البيانات، ضمن مسار متدرّج يتكامل مع جهود التحول الرقمي الشامل. ويعكس هذا التوجه انسجاماً واضحاً مع المسار العالمي نحو السيادة الرقمية، وبناء نموذج وطني يستفيد من التجارب الدولية والإقليمية مع مراعاة الخصوصية الوطنية.
اقتصادياً، تفتح هذه المشاريع آفاقاً واسعة للعوائد المباشرة وغير المباشرة، سواء عبر استضافة البيئات الحوسبية كثيفة الاستخدام، أو تشغيل منصات رقمية متقدمة، إضافة إلى أثرها غير المباشر في رفع كفاءة القرار الحكومي وتعزيز جاذبية الاستثمار في القطاع التقني. وتزداد الجدوى الاقتصادية في الحالة السعودية مع توفر مصادر الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، بما يخفف تكاليف التشغيل، ويدعم الاستدامة على المدى الطويل.
في المحصلة، لم تعد البنية التحتية السيادية للبيانات خياراً تقنياً، بل استثماراً إستراتيجياً طويل الأمد في جاهزية الدولة للمستقبل الرقمي، وصناعة القرار، وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية في الاقتصاد القائم على البيانات.
. مدير مركز المعلومات الوطني للعلوم والتقنية
 

08 / 01 / 2026
© 2026 تصميم وتطوير شركة الشعاع الأزرق لحلول البرمجيات جميع الحقوق محفوظة